محمد بن جرير الطبري
85
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وأضربه بالسيف ، وإما أن أكفيكه وتضربه بالسيف . قال أربد : أكفيكه وأضربه فقال ابن الطفيل : يا محمد إن لي إليك حاجة ، قال : " ادن " ، فلم يزل يدنو ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم ، " ادن " حتى وضع يديه على ركبتيه وحنى عليه ، واستل أربد السيف ، فاستل منه قليلا ؛ فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم بريقه ، تعوذ بآية كان يتعوذ بها ، فيبست يد أربد على السيف ، فبعثالله عليه صاعقة فأحرقته ، فذلك قول أخيه : أخشى على أربد الحتوف * ولا أرهب نوء السماك والأسد فجعني البرق والصواعق * بالفارس يوم الكريهة النجد وقد ذكرت قبل خبر عبد الرحمن بن زيد بنحو هذه القصة . وقوله : وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ يقول : وهؤلاء الذين أصابهم الله بالصواعق أصابهم في حال خصومتهم في الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم . وقوله : وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ يقول تعالى ذكره : والله شديدة مما حلته في عقوبة من طغى عليه وعتا وتمادى في كفره . والمحال : مصدر من قول القائل : ما حلت فلانا فأنا أماحله مماحلة ومحالا ، وفعلت منه : محلت أمحل محلا : إذا عرض رجل رجلا لما يهلكه ؛ ومنه قوله : وما حل مصدق " ؛ ومنه قول أعشى بني ثعلبة : فرع نبع في غصن المجد * غزير الندى شديد المحال هكذا كان ينشده معمر بن المثنى فيما حدثت عن علي بن المغيرة عنه . وأما الرواة بعد فإنهم ينشدونه : فرع فرع يهتز في غصن المجد * كثير الندى عظيم المحال وفسر ذلك معمر بن المثنى ، وزعم أنه عنى به العقوبة والمكر والنكال ؛ ومنه قول الآخر : ولبس بين أقوام فكل * أعد له الشغازب والمحالا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن هاشم ، قال : ثنا سيف ، عن أبي روق ، عن أبي أيوب ، عن علي رضي الله عنه : وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ قال : شديد الأخذ . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد : وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ قال : شديد القوة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ أي القوة والحيلة . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن : شَدِيدُ الْمِحالِ يعني : الهلاك ، قال : إذا محل فهو شديد . وقال قتادة : شديد الحيلة . حدثني الحارث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا رجل ، عن عكرمة : وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ قال : المحال : جدال أربد ، وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ قال : ما أصاب أربد من الصاعقة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ قال : قال ابن عباس : شديد الحول . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ قال : شديد القوة . المحال : القوة . والقول الذي ذكرناه عن قتادة في تأويل المحال أنه الحيلة ، والقول الذي ذكره ابن جريج عن ابن عباس يدلان على أنهما كانا يقرآن : " وهو شديد المحال " بفتح الميم ، لأن الحيلة لا يأتي مصدرها محالا بكسر الميم ، ولكن قد يأتي على